أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

405

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الفرق بين الريب والشك وأنشد الطبري قول الأعشى : 774 - تدرّ على أسؤق الممتري * ن ركضا إذا ما السّراب ارجحن « 1 » شاهدا على أن الممترين الشاكون ، قال : ووهم في ذلك ، لأن أبا عبيدة وغيره قالوا : الممترون في البيت هم الذين يمرون الخيل بأرجلهم همزة لتجري « كأنهم » يتحلبون الجري منها . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 148 ] وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 148 ) قوله تعالى : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ : جمهور القراء على تنوين « كل » ، وتنوينه للعوض من المضاف إليه ، والجار خبر مقدم ، و « وجهة » مبتدأ مؤخر ، واختلف في المضاف إليه كل المحذوف فقيل : تقديره : ولكل طائفة من أهل الأديان وقيل : ولكل أهل موضع من المسلمين وجهته إلى جهة الكعبة يمينا وشمالا ، ووراء وقدام ، وفي « وجهة » قولان : أحدهما ويعزى للمبرد والفارسي والمازني في أحد قوليه : إنها اسم المكان المتوجه إليه ، وعلى هذا يكون إثبات الواو قياسا إذ هي غير مصدر . قال سيبويه ولو بنيت فعله من الوعد لقلت : وعده ، ولو بنيت مصدرا لقلت : عدة . والثاني : أنها مصدر ، ويعزى للمازني وهو ظاهر كلام سيبويه فإنه قال بعد ذكر حذف الواو من المصادر : وقد أثبتوا فقالوا : وجهة من الجهة ، وعلى هذا يكون إثبات الواو شاذ منبهة على ذلك الأصل المتروك في عدة ونحوها ، والظاهر أن الذي سوغ إثبات الواو ، وإن كانت مصدرا أنها مصدر جاءت على حذف الزوائد إذ الفعل المسموع من هذه المادة توجه واتجه ، ومصدرهما التوجه والاتجاه ، ولم يسمع في فعله : وجه يجه ، كوعد يعد ، وكان الموجب لحذف الواو من عدة وزنة الحمل على المضارع لوقوع الواو بين ياء وكسرة ، وهنا فلم يسمع فيه مضارع يحمل مصدره عليه ، فلذلك قلت : إن « وجهة » مصدر على حذف الزوائد لتوجه ، أو اتجه ، وقد ألم أبو البقاء بشيء من هذا . قوله : هُوَ مُوَلِّيها جملة من مبتدأ وخبر في محل رفع ، لأنها صفة لوجهة واختلف في « هو » على قولين : أحدهما : أنه يعود على لفظ كل لا على معناها ، ولذلك أفرد والمفعول الثاني محذوف لفهم المعنى تقديره هو موليها ، وجهة أو نفسه ، ويؤيد هذا قراءة ابن عامر : « مولاها » على ما لم يسم فاعله كما سيأتي . والثاني : أن يعود على اللّه تعالى ، أي : اللّه مولى القبلة إياه أي : ذلك الفريق . وقرأ الجمهور موليها على اسم الفاعل ، وقد تقدم أنه حذف أحد مفعوليه ، وقرأ ابن عامر ويعزى لابن عباس مولاها على اسم المفعول ، وفيه ضمير مرفوع قائم مقام الفاعل . والثاني هو الضمير المتصل به وهو « ها » العائد على الوجهة وقيل : على التولية ذكره أبو البقاء ، وعلى هذه القراءة بتعين عود « هو » إلى الفريق إذ يستحيل في المعنى عوده على اللّه تعالى ، وقرأ بعضهم « 2 » : « ولكل وجهة » بالإضافة ويعزى لابن عامر ، واختلفوا فيها على ثلاثة أقوال أحدها : وهو قول الطبري : أنها خطأ ، وهذا ليس بشيء إذ الإقدام على تخطئة ما ثبت عن الأئمة لا يسهل .

--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 195 ) ، الطبري ( 3 / 191 ) . ( 2 ) انظر مختصر الشواذ ( 10 ) .